قد يكون الحديث مع الأطفال عن مرض السرطان من أكثر اللحظات صعوبة وحساسية التي قد يواجهها أحد الوالدين. ومع ذلك، يمكن أن يتم هذا الحديث بطريقة هادئة وبكلمات بسيطة، يرافقها الكثير من الحب والصدق.
من الطبيعي أن يشعر الوالدان بالحيرة، هل يجب إخبار الأطفال بالحقيقة؟ وهل يمكنهم تحمّلها؟ أم من الأفضل حمايتهم منها. اتخاذ القرار بشأن ما يجب قوله ومتى يُقال يحتاج إلى وقت وتفكير، كما يحتاج أيضًا إلى مساحة لمشاعركم أنتم. من المهم أن تتذكروا أنكم لستم بحاجة إلى إيجاد الكلمات المثالية. ما يحتاجه الأطفال أكثر من أي شيء آخر هو الصدق، والحنان، والشعور بأنكم موجودون للاستماع إلى أسئلتهم ومخاوفهم في أي وقت.
لماذا من المهم التحدث مع الأطفال؟
غالبًا ما يفهم الأطفال ويشعرون بما يحدث حولهم أكثر مما نعتقد. فهم يلاحظون التغيّرات في الروتين اليومي وفي الجو العاطفي داخل المنزل. وإذا لم يحصلوا على تفسير واضح منكم، فقد يحاولون ملء الفراغ بتخيلاتهم الخاصة. في بعض الأحيان يشعرون بالذنب، فيما يحدث حولهم..
لذلك فإن الحديث بصراحة يساعدهم على فهم أن ما يحدث هو مشكلة صحية، وليس خطأه، وليس سرًا يجب إخفاؤه. عندما نتحدث مع الأطفال بصراحة، فإننا نعزز شعورهم بالأمان والثقة. يشعرون أنهم جزء من العائلة التي تواجه الصعوبات معًا، وأن لديهم الحق في طرح أي سؤال يدور في ذهنهم.
متى وكيف نبدأ الحديث؟
من الأفضل عادة التحدث مع الأطفال في وقت مبكر نسبيًا، قبل أن يسمعوا شيئًا من الآخرين أو يلاحظوا بأنفسهم أن هناك أمرًا خطيرًا يحدث. اختاروا لحظة هادئة في المنزل، دون استعجال أو مقاطعات.
اجلسوا بالقرب منهم وابدؤوا الحديث بكلمات بسيطة وواضحة، مثل:
"ماما (أو بابا) لديها مرض يُسمّى السرطان. الأطباء يعرفون الكثير عن هذا المرض، وسأبدأ علاجًا لمساعدتي على التحسن."
من المهم استخدام كلمة "سرطان" بوضوح، حتى لا يشعر الطفل لاحقًا بأن الحقيقة أُخفيت عنه. ولا حاجة لشرح كل شيء في حديث واحد. فهذه بداية حوار يمكن أن يستمر مع الوقت، بحسب عمر الطفل والأسئلة التي يطرحها. وإذا شعرتم بالتأثر أو الحزن أثناء الحديث، فهذا أمر طبيعي. فإظهار المشاعر يعلّم الأطفال أن التعبير عن العواطف أمر إنساني وصحي.
كيف نكيّف الحديث المناسب بحسب عمر الطفل؟
كل فئة عمرية تحتاج إلى نهج مختلف حتى لا تكون المعلومات مربكة جداً أو صعبة الفهم.
الأطفال الصغار و اقل من 3 سنوات في هذا العمر لا يستطيع الأطفال فهم مفهوم السرطان. لذلك من الأفضل التركيز على التغيّرات التي قد تحدث في الروتين اليومي، مثل:
"ماما ستذهب أحيانًا إلى المستشفى لتلقي العلاج، لكنها ستعود وسنكون معًا."
بالنسبة للأطفال الصغار، يبقى الروتين اليومي، والاحتضان، وقضاء الوقت معهم أهم بكثير من التفاصيل الطبية.
الأطفال من 3 إلى 6 سنوات في هذا العمر يبدأ بفهم أن هناك مرضى وأطباء. يمكن شرح الأمر بطريقة بسيطة مثل:
"داخل جسم الإنسان توجد أشياء صغيرة جدًا تُسمّى خلايا. بعض هذه الخلايا لا تعمل بشكل صحيح، وهذا ما يُسمّى السرطان. الأطباء لديهم أدوية تساعد على التخلص من هذه الخلايا حتى يعمل الجسم بشكل أفضل."
ومن المهم التأكيد على نقطتين أساسيتين: السرطان ليس مرضًا معديًا وأن الطفل ليس سبب المرض.
الأطفال من 6 إلى 11 سنوات يمكن للأطفال في هذا العمر فهم معلومات أكثر وضوحًا. يمكن شرح أن السرطان يحدث عندما تنمو بعض الخلايا في الجسم بشكل غير طبيعي. كما يمكن التحدث عن العلاجات، مثل العلاج الكيميائي أو الإشعاعي، مع شرح التغيّرات المحتملة في المظهر، مثل:
"الأدوية التي سأتناولها قوية، وقد تسبب تساقط شعري، لكن شعري سيعود للنمو مرة أخرى لاحقًا."
المراهقون عادة ما يرغبوا في معرفة معلومات واضحة و صريحة. من الأفضل التحدث معهم بصراحة عن نوع السرطان، وخطة العلاج، وما هو معروف وما يزال غير واضح. قد تكون لديهم أسئلة حول تأثير المرض على حياتهم اليومية، مثل المدرسة أو الأصدقاء أو خطط المستقبل. كما أن بعض المراهقين قد يبحثون عن معلومات عبر الإنترنت، لذلك من المفيد توجيههم إلى مصادر موثوقة.
كيف يتفاعل الطفل؟
قد تختلف ردود فعل الأطفال بشكل كبير. يعتمد ذلك على العمر، والشخصية، ومستوى النضج العاطفي، وكذلك على تجاربهم السابقة مع المرض. كثير من الأطفال يحتاجون إلى سماع مرارًا أن المرض ليس خطأهم.
الأطفال الصغار قد لا يستطيعون التعبير بالكلمات عما يشعرون به، لكن مشاعرهم قد تظهر من خلال سلوكهم. على سبيل المثال قد:
- يتعلقون بوالديهم أكثر من المعتاد (فى ميعاد النوم أو المدرسة)
- يعودون إلى سلوكيات سابقة مثل التبول في الفراش أو أن ينتابهم نوبات غضب عنيفة
- يصبحون أكثر هدوءًا أو انعزالًا
- تزايد شعورهم بالخوف من أشياء مختلفة (مثل الحيوانات أو الظلام)
- أن يكونوا هادئين ومطيعين بشكلٍ مبالغ فيه، وكأنهم يحاولون ألا يسببوا لكم أي عبء أو قلق.
- يشكون من الصداع أو ألم في المعدة دون سبب طبي واضح
- يعانون من صعوبة في النوم أو كوابيس
- يطرحون الكثير من الأسئلة بطريقة قد تبدو "قاسية" أو غير لائقة بالنسبة لك، لكنها طريقتهم في الفهم
- أو أحيانًا لا يظهرون أي رد فعل واضح
كل هذه ردود فعل طبيعية في موقف يسبب القلق و ومع ذلك، فإن الاستقرار والحب والاستعداد لتقديم تفسير على أي شيء يزعجهم، هي شروط أساسية لكي يبدأوا تدريجياً في الشعور بتحسن.
الأطفال الأكبر سنًا والمراهقون
المراهقة مرحلة مليئة بالتغيرات العاطفية في حد ذاتها، و مرض أحد الوالدين قد يجعل هذه المشاعر أكثر تعقيدًا. عادتاً ما يجد المراهقون صعوبة في طلب المساعدة أو التحدث عن أي شيء يزعجهم.
قد يظهر المراهقون ردود فعل مختلفة، مثل:
- الغضب مع تقلبات مزاجية متكررة أو علامات حزن
- الحزن أو القلق
- يتصرفون كالأطفال الصغار، ويطالبون بمزيد من الرعاية
- الانسحاب من العائلة أو الأنشطة المعتادة
- الشكوى من أعراض جسدية مثل الصداع أو آلام المعدة
- التصرف السلبي وكأن شيئًا لم يحدث
بعض المراهقون يرغبون في معرفة كل التفاصيل، بينما قد يفضّل آخرون عدم طرح الأسئلة. كما قد يختار البعض التحدث مع أصدقائهم بدلًا من والديهم. الأهم هو أن يعرفوا أنكم دائما مستعدون للحديث معهم عندما يرغبون الحديث، دون إجبارهم عن ذلك.
وبعيداً عن الكلام، قد تساعد الأمور التالية كثيرًا:
- الحفاظ قدر الإمكان على الروتين اليومي (المدرسة، النوم و الأنشطة المعتادة)
- تدوين تواريخ و مواعيد العلاج والأيام الصعبة منها
- التذكير بأن السرطان ليس معديًا وليس خطأهم
- طلب الدعم من مختصين في الصحة النفسية عند الضرورة أو الحاجة
لا يحتاج الوالدان إلى أن يكونوا مثاليين أو أن يمتلكون إجابات لكل الأسئلة. ما سيتذكره الأطفال هو أن والديهم أحبوهم، واستمعوا إليهم، وكانوا قريبين منهم خلال فترة صعبة مرت على العائلة بأكملها.

